تخطى إلى المحتوى

يوم كتب لي عمر جديد

أغسطس 11, 2009

قبل عشر سنوات.. كانت صيفية غريبة.. قرر أبي وأمي أنهم لن يسافروا في تلك السنة وسمحوا لي بالسفر مع جدي وجدتي وخالاتي إلى تركيا. لم تكن أو مرة أسافر فيها إلى هناك.. ولكنها كانت أول مرة أسافر بها بدون أبي وأمي. شددنا الرحال في منتصف شهر يوليو ١٩٩٩ على ان نعود في بداية شهر سبتمبر. سكنا في قرية صغيرة تدعى تيرمال التي تبعد حوالي ٢١ كلم من مدينة يلوا (يلوفا Yalova) التي بدورها تبعد حوالي الـ ٤٥ دقيقة بالعبّارة (Ferry boat ) قاطعة بحر مرمرة من اسطنبول.

كنا نسكن في الدور ما قبل الأخير في عمارة من أربعة أدوار.. في شقتين متقابلتين.. وكنت انام مع ابنة خالتي مشاعل في غرفة واحدة.. نحكي طوال الليل حتى يأخذنا التعب وننام. حتى جاءت تلك الليلة.. كنا نستمع إلى شريط فرقة ميامي الكويتية بصوت منخفض حتى لا تغضب خالتي.. حتى نظرت إلى الساعة وكانت تشير إلى الثانية والنصف فجراً فقلت لمشاعل لما لا نحاول فقد تأخر الوقت.. وقمت من الفراش وأغلقت المسجل وخرجت إلى الممر لافتح النور لأن مشاعل تخاف النوم في الظلام الدامس.. ثم عدت إلى الفراش وتقلبت قليلا حتى نمت.

وفجأة شعرت بالفراش يهتز واعتقدت أن مشاعل كانت تتقلب.. ولكني حين فتحت عيناي وجدت الثريا التي كانت فوق رؤوسنا تهتز وفجأة انطفأ نور الممر.. وسمعت أصواتا تصرخ من الخارج.. عندها فهمت ما كان.. كانت هزة أرضية.. تمايلت بسببها العمارة وانقطعت الكهرباء عنا.. وقلت لمشاعل: “زلزال”.. حينها صرخت مشاعل وتمسكت بذراعي وقالت : “فرح ساعديني!” لم اتحرك من مكاني فقد كنت انظر الى السقف منتظرة سقوطه فوق رأسي.. سمعت شخصاً يصرخ: “لا إله إلا الله” فقلت لها: ” تشهدي يا مشاعل” وأصبحت أتشهد مرة تلو أخرى ومشاعل تصرخ بجنبي وأنا لا اتحرك.. حتى توقف المبنى عن الاهتزاز.. وحل صمت رهيب مخيف.. حينها قمت من مكاني وفتحت شنطة سفري وأخذت حجابا لي وجاكيت وركضت إلى الدرج.. وجد خالتي تصرخ بأن انزلوا.. نزلت مسرعة فوجدت خالتي الأخرى حاضنة ابنها وابنتها وهي تتحجب بغطاء طفلها.. وهم ينظرون بخوف إلى العمارة التي كانت بجانبنا.. التفت نحوها لأجدها مهدمة بالكامل.. أربع أدوار مدهمة.. أربع ادوار أصبحت دمار وقطع من الاسمنت.. وقفت في مكاني مشدوهة.. وعدت بعيني إلى عمارتنا التي مازالت شامخة يخرج منها السكان بهلع.. حينها أيقنت أني قد ولدت من جديد.. وأن الله قد كتب لي عمراً جديداً.

جلسنا امام المبنى لفترة.. حتى نزل الجميع من العمارة.. ثم رأينا سيارة الشرطة تمر والشرطي يقول كلاماً بالتركية لم نفهمه.. حتى أتت صاحبة العمارة لتقول لنا أن نتبعها. سرنا قليلاً حتى وصلنا إلى أرض فضاء وجلسنا فيها حتى أذن الفجر. لا أدري إن كان صوت المؤذن عالياً أم أن الصمت الذي غلف المكان هو ما جعله يبدو كذلك.. قام الرجال إلى الصلاة ونحن جلوس.. حتى أشرقت الشمس وأنارت ما حولنا. حينها تحرك الجميع بمن فيهم جدي.. وذهبوا كلا إلى منزله ليأتي بفرش وأغطية كما طلبت منهم الشرطة.. ولكن لا يبقى أحد في المنزل طويلاً.. لم استطع الجلوس وقمت لأساعد جدي.. فلم أعد أحتمل الدموع والخوف من النساء حولي.. وما أن قمت حتى صرخت جدتي أن اجلسي.. فقلت لن أجلس أندب حالي وأرى جدي وحده يجر الفرش والأغطية.. حملت ما حملت وتأكدت بأن الجميع مرتاح ومتدفئ. حتى سمعت خالتي تقول بأنها حاولت الاتصال بأمي حتى استطاعت الوصول إليها وأخبرتها أننا بخير.. والتفتت نحوي وقالت: ” لا تخافي يا فرح ” قالتها وفي عينيها شي لم يعجبني.. لم أعرف هل هو شفقة أم خوف ولكني قمت من مكاني وقلت أني جائعة. ذهبت إلى جدي وقلت له أننا نحتاج طعاماً فقال لا تقلقي وأمرني أن أعود إلى مكاني.

مر اليوم طويلاً جداً وكدت أشفق على جدي.. فقد كان الرجل الوحيد معنا.. جدتي وخالاتي الثلاث.. احداهن حامل في الشهر السادس.. وبنات خالتي الثلاث.. وابناء خالتي الأخرى الأربعة.. وأنا.. أكبر الاحفاد. حاولت تلطيف الاجواء بالحديث والمزح مع بنات خالتي ولكن الجميع كان في حالة من الخوف فلم أجد إلا أن أسكت في انتظار ما سيحدث.. وحين جاء الليل.. بتنا في العراء.. فوق رؤوسنا السماء الصافية.. كانت أول مرة أرى هذا الكم الهائل من النجوم.. ولم استطع النوم جيداً تلك الليلة.
في صباح اليوم التالي.. استطاع جدي ان يجد حافلة تنقلنا إلى اسطنبول لنكون أقرب للمطار.. حاولت أن أجمع كل أغراضي وحاجياتي في اسرع وقت ممكن وحين امتلأت الشنطة بدأت بوضع الأغراض في شنطة الظهر التي اصبحت ثقيلة جداً ولكني لم أبالي. ركبنا الحافلة ومعنا عائلتان سعوديتان وعائلة كويتية.. وصلنا اسطنبول وحجز لنا جدي غرفاً في فندق هوليدي إن الذي كان ذا طابقين فقط.. ليسهل خروجنا منه إن أتت هزة أرضية أخرى.. في تلك الليلة كنا خمسة في غرفة واحدة.. تركت خالتي الأنوار مشتعلة ونام الجميع.. أو هكذا اعتقدت.. فأنا لم أنم إلا غفوات قليلة لأفتح عيني بخوف لأي صوت أو حركة.

في اليوم الثالث جائنا جدي ليقول أننا سنعود إلى جده اليوم.. حمدت الله أننا لن نعود إلى الرياض فلم أكن أقوى على الانتظار لأركب طائرة أخرى لأرى والداي في جده.. وصلنا إل المطار وكنا نقف في صف الجوازات فجأة جاءت خالتي وقالت بأنها وبناتها سيعودوا إلى الكويت وطنهم على متن طائرة أخرى.. لا أدري ما الذي اعتراني في تلك اللحظة ولكني شعرت وكأني لن أراهم مرة أخرى.. فودعتهم باقتضاب ولم اتحدث بعدها.. حتى اقتربت مني جدتي وقالت: ” فرح.. يبدو أن شنطتك ثقيلة جداً.. دعينا نساعدك في حملها” قلت: ” لا أنا بخير والشنطة ليست ثقيلة”.. عندها اصرت أن تحملها عني لأنها كان خائفة علي وشاركتها خالتي الكبرى.. لا أدري ماذا حدث ولماذا شعرت بغصة في صدري.. ولأول مرة من بداية تلك الثلاثة أيام العصيبة بكيت.. لم أشأ أن يراني أحد فكتمتها في صدري ولكن عيناي دمعتا رغماً عني.. وبكيت.. حتى أنجدتني خالتي الصغرى قائلة: ” أتركوها ! ” فسكتوا عني وتابعوا اجراءات الجوازات حتى وصلنا إلى صالة الانتظار.. وانتظرنا حوالي الأربع ساعات حتى حان موعد رحلتنا.
وقبيل وصولنا إلى جده.. حاولت قد المستطاع ان أعدل من هيئتي وشكلي لألا يقلق أبي حين يراني.. ولكن لم أستطع منع نفسي من البكاء حين رأيته في صالة المطار في جده.. بكيت في حضنه لمدة طويلة ولم أترك يده طوال الوقت.. شعرت أني طفلة في الخامسة رغم أني كنت في الثالثة عشر.
لم أستطع النوم في الظلام من بعدها لمدة ثلاثة أشهر.. وفقدت ١١ كيلو من وزني بعد تلك المحنة. ومنذ ذلك الحين أصبحت أخاف الجلوس وحدي لفترة طويلة.. وأحاول قدر المستطاع ألا أسافر وحدي حتى ولو كانت رحلتي إلى الرياض.. فأجدني أتصل على أهلي واحداً واحداً في حين سفري وأعاتبهم لأنهم لم يسألوا عني.

واليوم وبعد عشر سنوات من ذلك الحدث الرهيب.. لازلت أذكر تلك الليالي الثلاث.. وأحمد الله على نعمته أن كتب لي عمراً جديداً.. وأعادني سالمة معافاة إلى حضن أبي وأمي.

عن الزلزال:

Wikipedia, Izmit earthquake 1999

Izmit, Turkey Earthquake 1999

Advertisements

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: