من المواقف الطريفة في منزلنا.. أن يتحدث كل أفراد العائلة بموضوع واحد ولكن بلهجات مختلفة.. فمن الطبيعي جداً أن تسمع كلمة.. وش فيه.. وشو به.. شنو فيه.. شكو فيه.. إيش بو.. إيش فيه.. شو في.. بجميع اللهجات التي ذكرت في أقل من ساعتين.. فكون أبي من عائلة قصيمية وعاش طوال عمره في المنطقة الشرقية.. وكون أمي من عائلة زبيرية.. عاشت طوال عمرها بين الزبير والكويت.. وأنا وإخوتي قد تربينا في بداية أعمارنا في الرياض ثم انتقلنا إلى جدة.. وكون أغلب زميلاتي في المدرسة كن من السوريات والفلسطينيات.. والكثير من صديقاتي من أهل جدة ومكة والمدينة.. وأقربهن لي أربعة.. جداوية وبخارية وحضرمية وعسيرية.. هذا الخليط العجيب من الثقافات ولد لهجة مختلطة مميزة مضحكة..
ما لاحظته أني باحتكاكي بكل هؤلاء.. أصبحت أتنقل بولائي فيما بينهم وصرت كجامعة اللهجات الخليجية والعربية.. وكون ولائي لا يتحدد بمن أجلس معهم إلا أنني لا أفتأ إلا أن أقف في موقف المحامي الغيور الذي يدافع عن موكلة أحبها.. فحين أجد قريباتي النجديات يقللن من قدر الزبيريات أقف لهن بالمرصاد.. والعكس صحيح أيضاً.. وحين أجد صديقاتي الحجازيات يسخرن من البدويات ( كما يسموننا نحن النجديون) عندها تأخذني الحمية وأدافع عنهم.. وكثير ما تحدث هذه المحاورات في نفس اليوم!!.. لا أنكر أنني سمعت تعليقات كــ ” أنت نجدية فلما تدافعين عنهم؟؟!”.. أو ” لما تحبينهم بهذا القدر فأنت واحدة منا نحن أهل جدة!!”.. وغيرها.. ولكني أرد عليهم بقولي.. أني أنا كل هؤلاء.. أنتمي لهم جميعاً.. فلا فرق عندي إن كان من يقف أمامي من قبيلتي أو منطقتي أو مدنتي أو لا.. فكلهم عندي سواء
كنت أتساءل دوماً بيني وبين نفسي.. إلى من أنتمي؟؟.. ولكني وجدت أن فكرة إنتمائي لمكان أو منطقة جغرافية صغيرة ليس صحيحاً.. وليس هو انا.. فكوني أعيش بين أناس أحبهم وأحببت ثقافتهم وتشربتها فلا أستطيع القول بأني لست منهم.. وأيضاُ كوني أحمل دماً في عروقي وفي عنقي اسم عائلتي.. فهم أيضاً لا أستطيع الإنسلاخ عنهم.. فأنا منهم كما هم مني..
ولكني أقول وبكل فخر أني قصيمية – زبيرية – حجازية.. نعم هذه أنا.. فرغم أني تطبعت بالكثير من طباع أهل الحجاز إلا ان العرق القصيمي لا يفتأ إلا أن يعلن عن وجدوه.. خاصه حين أتعجب من شيئ ما وأقول.. “هاااااو ” وترد علي إحدى صديقاتي بــ “ميااااو” هههههههههههه
أعترف بأن هذا الخليط أثر بي حتى في درجة تقبلي لإختلاف الغير.. فما تعلمته.. هو ألا أنظر إلى الأحداث من حولي من نظرة ثقافة عائلتي أو عاداتي.. بل يجب أن أتوقع أنه لكل عائلة ولكل ثقافة عادات مختلفة.. قد نستهجنها نحن ولكنها طبيعية جداً بالنسبة لهم.. كوننا نعيش في دولة مترامية الأطراف وفي مدن كبرى يسكنها أناس من كل حدب وصوب.. فإن تقبلنا لهذا المزيج شيء مفروض لا بل طبيعي جداً.. وكوني إنسانة أفخر بـ “سعوديتي”.. فمن الطبيعي أن أفخر بكل أجزائها.. من شمالها إلى جنوبها.. من شرقها إلى غربها.. وكوني أعرف كل أجزاءها فهذا شيء أفخر به أكثر من أي شي آخر.. ولا أخجل أبداً من كوني أدور بعُرس من اللهجات والثقافات الجميلة.





