تخطى إلى المحتوى

رحلة الحج

في رمضان هذا العام شاورت نفسي ونويت أن أذهب إلى الحج. فأنا في سعة من العيش وأملك المال والصحة والقدرة على أن أسافر إلى أقصى بقاع الأرض، فلماذا لا أقدم حق الله هذا العام باكمال الركن الخامس من أركان اسلامي
قمت بالاتصال بكذا حملة وقالوا لنا لن نفتح باب التسجيل حتى نهاية شهر شوال. فقلت لننتظر. انشغلت بهموم أخرى وراودتني نفسي أن أقوم بتأجيل الحج للعام القادم
انتصف شهر ذو القعدة وبدأت الحملات بالاتصال حتى نكمل عملية التسجيل، كانت لدي خطة تختلف بعد أن يأست نفسي من التسجيل للحج حتى تسهلت الأمور بين يوم وليلة ووقفت بين أمرين، إما أن أستعجل أمر لدنيتي وأقوم بتأجيل حق الله أو أنسى الدنيا وما عليها قليلًا واذهب لألبي الله. فاخترت الحج

كنت أجهز ما أحتاجه وأنا أشعر بتوتر في داخلي، أسأصل؟ أسيكون سهلًا؟ أسأستشعر ما يقوله الناس من مشاعر ورهبة؟

كان نُسكنا متمعين بعمرة إلى الحج، اعتمرنا في آخر أسبوع من شهر ذي القعدة. وكانت عمرة سهلة يسيرة ليست كغيرها مما قمت به على مر السنوات. تفائلت بأن الله سيجعل الحج سهلًا ويسيرًا كما يسّر عمرته

ووصل اليوم الثامن من شهر ذي الحجة. نويت الاحرام ولبست ملابسي وودعت أهلي وأصحابي. اخترت الانقطاع عن العالم الافتراضي فالحج أيام معدودات قد لا تتكرر. ركبنا الباص المتجه إلى منى مباشرة وتحركنا في الثامنة والنصف ووصلنا عند الحادية عشر صباحًا. شكل الخيام البيضاء والحجيج السائرين الى خيامهم كان مهيبًا جدًا. لا يملك المرء حينها إلا أن يحمد الله كثيرًا كثيرًا على أن بلغه الوصول إلى ذلك المكان. وصلنا إلى مخيمنا وكان مقابلًا للجمرات بمطلّ جميل ترى من مكانك خيام الحجيج على مد النظر. بتنا ليلتنا حتى أذان فجر اليوم التاسع من ذو الحجة

Photo Oct 13, 12 08 46

وأشرقت شمس يوم عرفة. يوم الحج ! انتقلنا إلى محطة القطارفي جمع واحد والكل يلبي الله. مشهد تقشعر له الأبدان. لم أشهد في يوم دليل عظمة الله كما شهدته في ذلك اليوم. شهدت بعيني قول الله تعالى: { وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } – الحج. الجميع من كل الجنسيات، من كل اللغات يدعو ويبتهل. الدموع والدعاء ويا رب تملأ المكان. لا تستطيع إلا أن تخشع. فكل ما حولك يقول الله أكبر! الله أكبر من كل شيء

 انتهى اليوم سريعا وما أن اقترب أذان المغرب حتى شددنا الرحال إلى مزدلفة. تمنيت لو كان يوم عرفة يومين أو ثلاثة فلم أشبع من الدعاء !

وصلنا إلى مزدلفة وبدأنا في جمع الحصى من أركان المخيم ونقارن أحجامها ونلبي الله وندعو حتى تعدينا منتصف الليل فشددنا الرحال إلى بيت الله الحرام. طفنا بالبيت وفي آخر شوط مكنني ربي من استلام الركن اليماني بيميني. ولمست الكعبة بلا غطا وكانت رائحتها طيبة طيبة طيبة جدًا وكأن الطيب لا يتأثر بكل هؤلاء البشر الذين يلمسون ويبكون على جدار بيت الله! قمنا بسعي الحج وكان المسعى بارد جدًا جدًا وكأننا لسنا في أواخر أشهر الصيف في مكة. قد اعتمرت كثيرًا في حياتي في كل الفصول، صيفًا وشتاءًا وخريفًا، ليلًا ونهارًا، ولم يكن المسعى في أحدها ببرودته يومها

ودّعنا المسجد الحرام على مضدد لنعود إلى منى لرمي جمرة العقبة. وصلنا إلى منى وقد أكملت ٢٥ ساعة بلا نوم وقليل من الراحة وكثيير من الدعاء. رمينا جمرة العقبة وبدأت تكبيرات العيد

العيد في منى ليس كأي عيد. الجميع يخرج من لباس الاحرام للباس العيد المزين والمزركش. الكحل والعطر وأحمر الشفاة كلها ترحب بالعيد وتفرح به! احتفلت بنا حملة الحج بافطار شهي وبشاشة رائعة ونظموا لنا حفلًا من التراث المكّي يسمى جُو جُو ، حيث كان أهل مكة إذا عادت بناتهن من فريضة الحج غنوا لهم أغنية جُو جُو ، حجُّوا وجًو!  ورموا على رؤوسهن من الحلويات وقروش من الذهب والفضة، فجمعونا وبدأوا يغنون وينثرون من الحلويات المغلفة على رؤوسنا في احتفالية جميلة !

قضينا أيام التشريق بأكل وشرب وذكر لله. مرت سريعًا وليتها كانت أطول، فالنفس قد اعتادت الهدوء والسكينة والبعد عن منغصات الحياة (بالأخص الدوام) . وإن كان هناك من شيء تعلمته من الحج فهو أننا نعرف الأوامر ولا نعرف الآمر الذي يشُد إليه الرحال كل هؤلاء البشر لقضاء خمسة أيام في ضيافته ورحمته. وأن هموم الدنيا لا تسوى شيئا والله أكبر منها كلها. فكما تقول خالة عيشة (عائشة بالحجازية) إزا ضاقت عليكم وكّلوا الكبير وكّلوا الكبير، وتشير بسباتها إلى الأعلى

الحمد لله الذي بلغنا حج بيته وعسى أن يتقبل صالح أعمالنا ويجعل حجنا حجًا مبرورًا وسعينا سعيًا مشكورًا

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.